jaouda

الضيعات الفلاحية بفم الواد .. الفلاحة وسط رمال الصحراء القاحلة

لعقود خلت كان الحديث عن الفلاحة وتربية الأبقار في المناطق الصحراوية، أشبه إلى الخيال، حيث كانت هذه المناطق الضاربة في الرمال، حكرا على الإبل والأغنام، غير أن تعلق الإنسان بالماء والأرض وفي ظل تلك العلاقة الروحية، جعلته يرسم خريطة جديدة وسط هضاب من الكثبان الرملية،  وذلك لما إستطاع من قلبها إخراج مزارع فلاحية إلى الوجود .. ” الأخبار” زارت بعض من هذه الضيعات الفلاحية المتواجدة بالأقاليم الجنوبية، ومنها الواقعة  غرب مدينة العيون،  ورصدت كيف استطاع فلاحون تحويل مناطق قاحلة إلى  مزارع تفوح منها رائحة الطبيعة الخلابة، يسمع منها خوار الأبقار، وصوت محركات استخراج المياه من الأبار، كما إستمعت إلى الفلاحين وتحاول نقل ظروف إشتغالهم، وكيف ساهمت تعاونية تمدهم بالأعلاف والأبقار في مقابل مئات اللترات من الحليب، في جعل قطرة لبن فم الواد تغير وجه الصحراء.

شوك وإمراة

بعد أقل من عشرين كيلومترا عن العيون، وبعد أن تصل إلى الطريق الفاصلة بين شاطئ فم الواد من جهة وميناء المدينة، تلوح في الأفق على جهة اليمين طريق معبدة تعتبر الشاحنات الصهريجية الأكثر مرورا منها، ما يجعل فضول الزائر يشتد شوقا للوصول إلى نهايتها، وإكتشاف سر هذه القطرات المائية المنتشرة وسط هذا الطريق مند الصباح الباكر حتى تختفي أشعة الشمس. وعلى بعد دقائق فقط تصل إلى منطقة سياجها شجر الطلح الصحراوي العادي، بأشواكه الذي يمنع حتى القطط وبعض الحيوانات الزاحفة من دخولها وإفساد بعض المزروعات تقول روايات من عين المكان.

هذه المناظر الطبيعية  التي تسحر الزائر ليتساءل كيف تحول هذا المكان من كثبان رملية إلى خدود فلاحي، وسط أصوات المياه المتدفقة من محركات الضخ التي تحيط بهذه المزارع، حيث تشتم رائحة التربة الفلاحية من بعيد، و تحكي بعض الروايات المحلية أن الكتبان الرملية كانت تحول دون إكتشاف  من قبل العارفين بالأمكنة التي تصلح للزراعة وإنشاء مثل هذه الضيعات.

ومن القصص المشوقة لذلك المكان أيضا هو  مصادفة الجريدة لإمرآة هي التي تشرف على مزرعة بالكامل، وعند استفسارها عن الأمر قالت بأن ارتباط والدها بتربية الأبقار والإستثمار في المجال الفلاحي بعيدا عن ضجيج المدينة جعلها تحدو حدوه، وتعتني بضيعة فلاحية  وتقوم بالحرث كلما سمحت الظروف الطبيعية بذلك، وخصوصا الذرة، إذ ينطلق موسم زراعتها خلال كل شهر يناير وفبراير على أمل إعلان موسم الحصاد في شهر يونيو من كل سنة، و التي تحول إلى علف للمواشي، حيث العمود الفقري لهذه الضيعات الفلاحية وسبب استمرارها في ذلك المكان الذي استطاعت روائح الطبيعة الخضراء أن تكسر المناخ الصحراوي الجاف لتجذب  إليه الزوار، وتحولها إلى قرية مؤهلة بالسكان في وقت بدأ الزحف العمراني يحيط بها من كل الجوانب.

الجو التعاوني

أثناء زيارة “الأخبار” لهذه الضيعات الفلاحية، يلاحظ بشكل دقيق مدى تأثر العاملين بهذه المزارع بالجو التعاوني الذي غالبا ما يطبع نفسية الإنسان العاشق للتربة والأرض، إذ كلما توغلت بين دروب هذه المزارع إلا ويتوقف سائقي الجرارات ليدعونك للركوب قصد إختصار الطريق، نفس الأمر يطبع نفسية العاملين وأصحاب الضيعات الفلاحية،  حيث لا يتأخرون في تقديم المعطيات وبعض المعيقات التي تحول دون تحقيق الهدف المنشود من زراعة أكبر كميات ممكنة من الذرة وغيرها، ويحكي أحدهم أنه سبق وأن قام بتجربة زراعة البطيخ غير أن المناخ المتغير والجاف، بالإضافة إلى حاجة هذا النوع من الزراعة لكميات كبيرة من المياه أدت إلى ضياع أطنان منها، والتي لا تزال في مراحلها النباتية الأولى، حيث تكبد هؤلاء الفلاحون خسائر مادية فادحة ولم يكتب لأهل الصحراء أن يتذوقوا بطيخ فم الواد، ولهذا انصب تفكيرهم في تكثيف الجهود للعناية بالأبقار وتصدير حليبها وتوفير لحومها أيضا لا غير.

أبقار وشغل

في سنة 1996 جال في خاطر فلاحين بهذه المناطق فكرة إنشاء تعاونية تغير نظرة إحتكار قطاع الإبل والأغنام للمناطق الصحراوية، ليتم إطلاق تعاونية ضمت حوالي عشرة أشخاص، وبرأس مال متواضع في بدايتها، قبل أن تتطور هذه التعاونية لينخرط فيها أزيد من 40 عضو، إذ تنتج اليوم أبقار فم الواد أزيد من 20 طن من الحليب بشكل يومي، كما تم شراء عدد كبير من رؤوس الأبقار بالإضافة إلى مجموعة من التجهيزات الحديثة والآليات الأتوماتيكية لإنتاج أكثر من ألف طن من الحليب المخثر والمعطر، كما يكون عليها الإقبال بشكل كبير وتغطي جل المدن الجنوبية، في وقت استطاعت توفير مناصب شغل لأبناء المنطقة خصوصا المتخرجين من المركز الفلاحي.

وبالعودة لبعض المعطيات فإن هذا المشروع  الذي يندرج في إطار مشاريع الدعامة الثانية لمخطط “المغرب الأخضر”، وتنجزه وزارة الفلاحة والصيد البحري، بشراكة مع هذه التعاونية بتكلفة مالية بلغت 19 مليون درهم، وكان من ضمنها أهدافها الزيادة في إنتاجية الحليب، جاء كذلك لضمان تزويد الكسابة بالأعلاف قصد تطوير قدراتهم وإحداث فرص شغل لأبناء المنطقة وخريجي معاهد البيطرة والذي يشرف عدد منهم على تتبع حالة وصحة قطعان المواشي بشكل دوري وكذا استقبال الحليب على مدار اليوم ومعرفة مدى قابليته للمعالجة.

معيقات وغلاء

من المعيقات التي تقف حجر عثرة لتطور القطاع الفلاحي بالأقاليم الجنوبية ومنها فم الواد، نجد أهمها ندرة التساقطات المطرية التي لا تتعدى غالبا   55إلى 67 مليمتر  في السنة، بالإضافة إلى الرياح الجافة والزوابع الرملية وفقر وملوحة التربة، حيث لا تتعدى المساحة الصالحة للزراعة 127500  هكتار، والأراضي البورية  127354 هكتار بحسب بعض المعلومات المتوفرة. كما لا تسمح الحالة “الهيدرلوجية” بتطوير الفلاحة المسقية التي لا تتجاوز هي الأخرى 146 هكتار ويتواجد أغلبها بحسب نفس المعطيات بمنطقة فم الواد و”تيغزت” و”اجحيفية”.

ومن المشاكل أيضا نجد المناخ الجاف وتدهور المراعي، وانعدام المياه السطحية كما الشأن بالنسبة لمزارع فم الواد حيث يلجأ الفلاحون إلى حفر آبار بعمق يصل إلى مئات أضعاف بعض المناطق الشمالية، كما يزيد صعوبة استغلال الجوفية من عرقلة مسيرة الفلاح لمواصلة تحويل النظرة الجافة عن الصحراء. وأثناء استجواب بعض الفلاحين حول التركيز أكثر على المواشي من الأبقار بفم الواد، يؤكدون أن الإبل ولكونه تربى أغلبه في وسط صحراوي حر، فإن بعض المزروعات لن يطول أمدها، إذا ما تم إطلاق العنان لسفينة الصحراء داخل هذه الضيعات.

أما على مستوى التسويق فإن عدة معيقات تقف أمام المستهلك للإقبال بكثافة على حليب وألبان هذه التعاونية والمساهمة في استمرارها مستقبلا، نتيجة الزيادات المتتالية والتي وصل ثمن نصف لتر من اللبن إلى 5 دراهم في المحلات التجارية مؤخرا.

محمد أبطاش – العيون جريدة الأخبار

 

أضف تعليقاً