jaouda

“عيسى ادعيس” صاحب تقنية المراعي خلف جدران مغلقة

المواطن الفلسطيني الستيني عيسى ادعيس، لم يمنعه تقدمه في العمر من البحث عن طرق مبتكرة لتوفير الطعام لأكثر من 200 رأس من أغنامه، خاصة بعد تعرض قريته “بيت عمرة ” للتصحر والجفاف نتيجة قلة الإمطار، إضافة إلى انتشار مقالع الحجارة ومحاصرتها للقرية من جهاتها الثلاثة، حيث قضت على أي فرصة لنمو المراعي بعد تدميرها للأراضي هناك، فيما يمنع مستوطنو “عتنائيل” المقامة بالقرب من القرية مربي الأغنام من الوصول إلى أراضيهم وزراعتها لتوفير احتياجات أغنامهم من قش وأعلاف.

وأمام هذا الواقع المرير الذي تعاني منه قرية “بيت عمره” الواقعة جنوب مدينة يطا بمحافظة الخليل ، رفض المواطن ادعيس التخلي عن مهنة تربية الأغنام مصدر رزقه الوحيد، والتي ورثها أباً عن جد، حيث لجأ بمساعدة احد أبنائه كما يفيد إلى الشبكة العنكبوتية ليتعرف على وسائل مبتكرة يمكن من خلالها توفير الطعام لأغنامه في ظل عدم توفر المراعي.

فمن خلال المتابعة المستمرة تمكن من الوصول لطريقة استنبات علف الشعير الأخضر دون تربة، وها هو اليوم بعد مضي بضعة أشهر من إنشاء المشروع، ينجح في توفير ما يقارب من طنين من الشعير المستنبت أسبوعيا.

مملكة خضراء

تجده يتجول في غرفته الخاصة، يتفقد تلك الأحواض التي صفت بانتظام، يراقب تارة درجة الحرارة، ويتأكد تارة أخرى أن نسبة الإنارة مناسبة، يقلب بيده وينتقى بعناية حبوب الشعير وبعد غسلها وتعقيمها، ينثرها في تلك الأحواض المبللة بالماء، وبطريقة أشبه بالخدعة البصرية، تبدأ الأوراق الخضراء اليانعة بالنمو بكثافة دون ان يغطيها التراب، هذه اللوحة يرسمها المواطن ادعيس صباح كل يوم، ويبدع اكثر كلما استمر في استكشاف أسرار مملكته الخضراء.

البداية

ولإنجاح هذا المشروع بدأ ادعيس بالبحث عن نماذج ناجحة فلسطينيا في استنبات الشعير، حيث علم من خلال مرشدي وزارة الزراعة بأن هناك مشروعا نفذ في بلدة بني نعيم بمحافظة الخليل، قام بزيارته واطلع عن قرب على طريقة الزراعة والوسائل المستخدمة في توفير الظروف المناسبة لعملية الاستنبات، نقل الفكرة لقريته وعمل على تطويرها حيث بدأ بإنشاء غرفة خاصة، وجهزها بالأحواض البلاستكية المصفوفة بانتظام على رفوف مزوده بطريقة ري حديثه تتمثل في رش المياه على شكل رذاذ، كما استعان ببعض المهندسين الزراعيين في توفير إنارة مناسبة تساهم في الحفاظ على اللون الأخضر للشعير.

جرب وتعلم

بدأ ادعيس بتعلم خفايا وأسرار هذا الفن من خلال التجربة حيث قام كخطوة اولى بزراعة نحو 30 حوضا بالشعير البلدي وأحواضاً أخرى بالمستورد، وتمكن خلال سبعة أيام من الحصول على نتائج مبهرة، حيث حصل مقابل كل كغم من الشعير البلدي على ثمانية كغم من الشعير الأخضر، كما أظهرت النتائج ان الشعير البلدي مقاوم للعفن في حال تأخر عملية الحصاد، في حين كان انتاج الشعير المستورد غير مجدٍ وأكثر عرضة للإصابة بالعفن، لهذا قام ادعيس بتضمن مساحات من الأراضي في مناطق مختلفة من المحافظة، وقام بزراعتها بالشعير البلدي لتوفير مواد خام لمشروعه، حيث استطاع بعد مرور خمسة أشهر من زراعة نحو 320 حوضاً كل سبعة أيام، وهذا يكفي لإنتاج ما يقارب من 2500 كغم من الشعير المستنبت والذي يسد حاجة أغنامه الآخذة بالزيادة.

نتائج وفوائد

إبراهيم ادعيس الذي يتعلم من والده الخبرة في زراعة الشعير المستنبت، يقول: بأن نجاح هذا المشروع لم يكمن فقط في توفير الغذاء للأغنام في ظل غياب الأراضي الزراعية والمراعي، بل ساهم في توفير ما يقارب من 40% من الأموال التي كانت تنفق في شراء الأعلاف سنويا، إضافة الى انه وفّر الوقت والجهد على أفراد العائلة الذين كانوا يمضون معظم ساعات يومهم في البحث عن الأعشاب والقش لإطعام الأغنام، وعلى العكس من ذلك فإن هذه المشروع يحتاج لعامل او اثنين لمتابعة عملية الزراعة والحصاد، وتابع أن استخدام هذه النوعية من الطعام ساهم في زيادة نسبة الحليب إلى الضعف.

وقد بدأت العائلة بعد أن أتقنت عملية استنبات الشعير في تكبير وتطوير المشروع من خلال زيادة عدد الأغنام وكمية الأحواض المزروعة، كما يطمح إبراهيم إلى انشاء مصنع يتم من خلاله توزيع الشعير المستنبت على مربي الأغنام في يطا إضافة إلى بيع المحصول على قرى وبلدات المحافظة التي تمر في نفس الظروف من حيث الجفاف.

الترويج للمشروع

مدير زراعة وبيطرة يطا الدكتور اياد فرج الله يفيد بأن المديرية أشرفت على هذه المشروع بعد أن أصبح قائما بجهود أصحابه، ولإنجاح هذه الفكرة والمساهمة في نقلها للآخرين من مربي الأغنام في الجنوب الفلسطيني، قامت المديرية بدعم المشروع بكميات من الشعير البلدي، اضافة إلى تخصيص مرشد زراعي يقدم النصح والإرشاد لعائلة ادعيس.

كما استغلت المديرية المشروع في اجراء بعض الدراسات على الأغنام التي تتناول الشعير المستنبت، حيث أظهرت المشاهدات بأن هناك زيادة واضحة في إنتاج الحليب، وان الأغنام أصبحت أكثر مقاومة للأمراض، وظهر تحسن في نسبة المواليد بالمقارنة بالأعوام السابقة.

وبناء على هذه النتائج كما يفيد فرج الله فإن المديرية تسعى لترويج المشروع لدى مربي الأغنام خاصة في مسافر يطا، أكثر المناطق اعتمادا على تربية الأغنام واستهدافا من قبل الاستيطان.

أضف تعليقاً